الشيخ عبد الغني النابلسي

194

الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية

وقد مررنا على بئر أيّوب « 1 » في طرف ذاك الوادي ، وهو بئر عذب الماء ، للصادر والصّادي ، وهو بالقرب من عين سلوان ، وينسب إلى سيدنا أيوب النبي عليه الصلاة والسلام في كل زمان ومكان . قال الحنبلي في تاريخه : وحكى صاحب الأنس « 2 » في معنى هذا البئر قال : قرأت بخطّ ابن عمي أبي محمّد القاسم وأجازه لي قال ، قرأت في بعض التواريخ أنّه ضاق الماء في القدس فاحتاجوا إلى بئر هناك نزلوها ، طولها ثمانون ذراعا ، وسعة رأسها عشرون ذراعا في عرض أربعة أذرع ، وهي مطويّة بحجارة عظيمة ، كلّ حجر منها خمسة أذرع وأقلّ وأكثر في سمك ذراعين وذراع ، فعجبت كيف نزلت هذه الأحجار إلى ذلك المكان ، وماء العين بارد خفيف ويسقي الماء طول السنة من ثمانين ذراعا ، وإذا كان زمن الشتاء فاض الماء وساح حتى يسيح على وجه الأرض في بطن الوادي وتدور عليه أرحية تطحن الدقيق ، فلمّا احتيج إليها وإلى عين سلوان نزلت إلى قرار البئر ومعي جماعة من الصنّاع ، فرأيت الماء يخرج من حجر يكون قدره ذراعين في مثلهما ، وفي / البئر مغارة فتح بابها ثلاثة أذرع في ذراع ونصف ، يخرج منها ريح بارد شديد البرد ، وإنه حطّ فيها الضّوء فرأى المغارة مطويّة السّقف بحجر ، ودخل إلى قريب منها ، ولم يثبت له الضوء فيها من شدّة الريح الذي يخرج منها ، وهذه البئر في بطن واد ، والمغارة في بطنها ، وحولها من الجبال العظيمة الشّاهقة ما لا يمكن الإنسان أن يرتقي إليها إلّا بمشقّة ، وهي التي قال اللّه تعالى فيها لنبيّه أيوب عليه السلام ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ « 3 » ثم قال الحنبليّ ، وهذا البئر مشهور معروف ، وفي كلّ سنة عند قوّة الشتاء ، وكثرة الأمطار يفور الماء منه حتّى يصير كالنهر الجاري ، ويسير إلى

--> ( 1 ) في أسفل وادي سلوان على بعد 400 متر من بركة سلوان ، والراجح أنّ صلاح الدين هو الذي بناها . انظر آثارنا في بيت المقدس / 103 وما بعد . ( 2 ) يعني « الأنس في فضائل القدس » لأحمد بن الحسين بن هبة اللّه الشّافعي المتوفى 610 ه ، آثارنا 107 . ( 3 ) سورة ص / 42 .